ابو القاسم عبد الكريم القشيري
92
لطائف الإشارات
قوله جل ذكره : فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ . الإشارة إلى حقيقة التوبة بالخروج إلى اللّه بالكلية . قوله جل ذكره : فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ . التوبة بقتل النفوس غير ( . . . ) « 1 » إلا أن بني إسرائيل كان لهم قتل أنفسهم جهرا ، وهذه الأمة توبتهم بقتل أنفسهم في أنفسهم سرا ، فأوّل قدم في القصد إلى اللّه الخروج عن النفس . [ فصل ] ولقد توهم الناس أن توبة بني إسرائيل كانت أشق ، ولا كما توهموا ؛ فإن ذلك كان مقاساة القتل مرة واحدة ، وأمّا أهل الخصوص من هذه ( الأمة ) « 2 » ففي كل لحظة قتل ، ولهذا : ليس من مات فاستراح بميت * إنما الميت ميت الأحياء وقتل النفس في الحقيقة التبري عن حولها وقوتها أو شهود شئ منها ، ورد دعواها إليها ، وتشويش تدبيرها عليها ، وتسليم الأمور إلى الحق - سبحانه - بجملتها ، وانسلاخها من اختيارها وإرادتها ، وانمحاء آثار البشرية عنها ، فأمّا بقاء الرسوم والهياكل فلا خطر له ولا عبرة به . قوله جل ذكره : ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ . كونه لكم عنكم أتمّ من كونكم لأنفسكم . قوله جل ذكره : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 55 ] وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ( 55 ) التعرض بمطالعة الذات على غير نعمة إلهية إفصاح بترك الحرمة ، وذلك من أمارات البعد والشقوة .
--> ( 1 ) هنا كلمة مشتبهة . ( 2 ) يقصد أمة المصطفى صلوات اللّه عليه وسلامه .